اشتباك مسيحي
يستغرب كثيرون انخراط البطريرك صفير في الصراع السياسي اللبناني، ويعيبون عليه انحيازه إلى القوات اللبنانية، ومسيحيي الرابع عشر من آذار، وينتقدون طرحه وجهة نظره السياسية المختلفة كثيرا عن خط سير عون الداخلي، بتحالفه مع «حزب الله»، والخارجي بتفاهمه مع سوريا.
كأن البطريرك صفير قد ارتكب خطيئة مميتة، أو كأن المطلوب منه أن يكون على الحياد، علماً بأن البطريركية المارونية ما انفكت، منذ إنشاء كيان لبنان الكبير، تتدخل بالسياسات الكبيرة والصغيرة. فعادت الكتلة الوطنية أحيانا، والدستورية مرارا، ثم وقفت من بشارة الخوري موقفا متصلباً، ثم مرناً مع شمعون، انتهى في آخر عهده إلى إطلاق تسمية محمد المعوشي على بطريرك الموارنة آنذاك، أما علاقة السدة البطريركية بحكم المكتب الثاني وعهد شارل حلو، فقد سادها التطاعن بالظهر، وخناجر منتصف الظهيرة.
لم تكن البطريركية على الحياد، ولا كان نصر الله صفير مراقباً لما يجري، فهو عضو فاعل في اتفاق الطائف، وركن من أركان اختيار الرؤساء، وأحد مناصري فريق على آخر في حربي التحرير والإلغاء.
لم يكن صفير على هامش السياسة، بل كان في مركزها، وحوله دارت بيانات المطارنة، وقرنة شهوان، و... القوات اللبنانية، واليه لجأت قيادات، سنية وشيعية ومسيحية، ومعه حصلت مصالحة الجبل.
من حقه أن يتدخل في السياسة، ومن حق الآخرين أن يناقشوه ويحاسبوه. وهو، كسواه، من رجال الدين، ورؤساء الطوائف اللبنانية، يتدخل ويؤثر ويخطب، ويصغي الى الاقتراحات، ويقرأ البيانات السياسية، حتى ولو كانت قبل يوم الانتخابات بساعات. من حقه أن يكون «قومياً عربياً» كما من حق المفتي رشيد قباني ان يكون «قومياً لبنانياً».
وهذا الحق استنسخه رجال الدين في الطوائف والمذاهب، بفعالية أكبر، فلم يعد رؤساء الطوائف مجرد ديكور في احتفال تذكاري، كما كان مفتي السنة يوم وقف الى جانب الجنرال غورو، في قصر الصنوبر، عند إعلان لبنان الكبير. بل أصبح حضورهم عالي النبرة، وباتت مواقفهم جزءا لا يتجزأ من المشهد السياسي الطائفي، الممتد من رأس الهرم الطائفي الى أخمص قدمي «الوطن». لا تثير مواقف المفتي وخطبه، ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، حساسيات داخل طوائفهم، لأنها تقريبا، نسخة غير معدلة، عن مواقف الزعماء المتوجين أنبياء على طوائفهم. فالوحي واحد، والنص واحد، والاستثناء لا يعتد به.
أيضا وأيضا، هذا حقهم الذي لا نقاش فيه. واذا كان تدخلهم لا يثير إشكالات كبيرة بين أبناء الطائفة بسبب بنيانها المرصوص جدا، فإنها تثير أحقادا مفترسة في الطوائف الاخرى. ولعل فضيلة البطريرك صفير، انه يثير مشكلة داخل طائفته، أكثر مما يثيرها مع الطوائف الأخرى. لا غرابة أبدا، ولا شذوذ على القاعدة. فالنظام الطائفي في لبنان، عمليا، ينصّب المراجع المسماة روحية، في مقام المرجعيات السياسية الفاعلة والمؤثرة. ومن التهذيب الكاذب إطلاق تسميات مخففة وألقاب غير متفقة مع واقع الحال. ان أبرز وظيفة لرجال الدين، هي السياسة، وأبلغ دور مطلوب، هو تأييد مواقف زعماء الطائفة. أما المسائل الروحية، فهي ليست من هذا العالم اللبناني.
اذا كان بطريرك السياسة المارونية، الجنرال عون، على خلاف مع صفير، فليس ذلك على جنس الملائكة، بل على جنس السياسة. الجنرال راغب بالاستقلال التام، سياسيا عن بكركي، فيما القوات اللبنانية، تسعى بشكل حثيث لتوظيف البطريركية في معركتها ضد الجنرال وسياساته. ومثل هذه المعارك، في منظومة «الديموقراطية الطائفية» محبّذ، حيث انها تساعد على تفكيك أواصر الطائفية، وتحول عصبياتها، المفترض ان تكون ضد الآخر، الى عصبيات ضد الذات. فليس ما يحدث عند الموارنة تحديدا أو المسيحيين عموما، خطأ أو شواذاً عن القاعدة، بل هو الأساس الذي يمكن من خلاله، التفكير بإمكانية تدمير الطوائف لذاتها، بعدما عصيت على تدمير بعضها بعضا.
انه لأمر يدعو الى التفاؤل جديا، ان تكون الحالة المسيحية معدية، لتصيب الطوائف الأخرى بالانقسام الحاد، لتصبح المجموعات الطائفية محكومة بقوانين الاجتماع الإنساني الوطني، حيث ينتصر منهج تفتيت الكتل الموروثة من خلال تلقيمها من الداخل. فمن قوانين الاجتماع، ان كل مجموعة بشرية، طائفية أو مذهبية أو عرقية، تعيش في تناقض بين تيارين في داخلها، تيار يدعو الى الانفتاج، ويمثله الجنرال عون في هذه الحالة، وتيار يدعو إلى الانغلاق، ويمثله خصومه.
الخير، كل الخير، في أن تشتبك الطائفة بذاتها.
نصري الصايغ
السفير




